إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-18-2011, 09:05 AM   #1

المـــديــر



الصورة الرمزية قلم رصاص
قلم رصاص غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Aug 2010
 أخر زيارة : 04-13-2014 (11:42 AM)
 المشاركات : 2,545 [ + ]
 التقييم :  10
 الجنس ~
Male
 SMS ~
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك على و أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت
لوني المفضل : Red
العمانيون في شرق أفريقيا




العمانيون في شرق أفريقيا
علي بن حميد الوهيبي

كان الوجود العماني في شرق أفريقيا أكبر كثافة وأكثر عمقاً وتركيزاً من وجودهم في جنوب شرقي آسيا ولذلك كان تأثير العمانيين في هذه المنطقة من قارة أفريقيا أشد وأقوى. ذلك أن وجودهم في جنوب شرقي آسيا كان يعتمد بالدرجة الأولى على النشاط الملاحي والتجاري، وكانت هجراتهم إلى هذه البلاد هجرات فردية وغير دائمة في غالب الأحيان، أما وجودهم في شرقي أفريقيا فلم يكن كذلك، لأنه اعتمد في الواقع على هذين العاملين معا وهما:

أولاً : النشاط الملاحي والتجاري.
ثانياً : هجرة العمانيين إلى هذه البلاد هجرات فردية وجماعية متلاحقة.


أولا:هجرات العمانيين إلى شرق افريقيا وأثرها في نشر الإسلام:
كانت هجرات العمانيين إلى ساحل شرق افريقيا أهم الهجرات وأقدمها وأكثرها تأثيراً في نشرالإسلام في هذه المنطقة الحيوية من قارة افريقيا. وهذه الهجرات العمانية تعود إلى أسباب كثيرة : منها ما يعود إلى ظروف الدولة الإسلامية، ومنها ما يعود إلى ظروف خاصة بعمان نفسها، ومنها ما يرجع إلى ظروف خاصة بشرقي افريقيا.

أما الظروف المتعلقة بالدولة الإسلامية، فإنها ترجع إلى الصراع السياسي والديني الذي ظهر فيها منذ أن قام النزاع على الحكم أو على الخلافة بين الأمويين وبين الزبيريين وبينهم وبين العلويين وشيعتهم، وبينهم وبين الخوارج الذين ناصبوهم العداء، ثم أتى الصراع بين الأمويين الأواخر وبين الولاة في الأقاليم ليشتد ويؤدي بجانب عوامل أخرى إلى زوال الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية.

وفي عصر هذه الدولة قام الصراع بين العباسيين بدورهم وبين خصومهم السياسيين من شيعة وخوارج، وظهرت جماعات وفرق عديدة وقامت ثورات ودول مناهضة لحكم بني العباس، مثل ثورة الزنج في جنوبي العراق عام 255هـ /869م ومثل قيام دولة القرامطة في البحرين بعد ذلك بحوالي ثلاثة عقود من الزمان.

وقد انعكست هذه الأحوال على عمان فدخلت ضمن مناطق الصراع المحتدم بين الخلافة وبين خصومها أو معارضيها السياسيين، يظهر ذلك في حملات أرسلها الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عمان لقمع ثورة سعيد وسليمان ابني عباد بن عبد بن الجلندي ، في بداية الربع الأخير من القرن الأول للهجرة. كما يظهر في الحملة التي أرسلها أول خلفاء بني العباس إلى عمان عام 134هـ/751م، للقضاء على محاولاتها الاستقلال، كما تجلى ذلك في الحملة التي أرسلها هارون الرشيد إلى عمان في عام 189هـ/805م لنفس الغرض والهدف. وبطبيعة الحال لابد أن يؤدي هذا الصراع إلى هجرة بعض أهل عمان إلى خراجها. ولم يكن هذا المكان إلا ساحل شرقي افريقيا وما يقابله من جزر. (1)

وقد دفع العمانيين للهجرة إلى هذا المكان الظروف والأحوال الخاصة بعمان نفسها، تلك الظروف التي تتمثل في طبيعة البلاد وطبيعة موقعها الذي أثرها في طباع السكان وميولهم وجعلهم لا يقبلون الخضوع لأي قوة سياسية خارجية فناضلوا ضد السيطرة الفارسية قبل ظهور الإسلام، وقاتلوا الخلفاء الأمويين والعباسيين حتى لم يعد لهولاء الخلفاء إلا نفوذ اسمي على عمان في كثير من الأحيان.(2)

كما تمثلت هذه الظروف أيضاً في الصراعات السياسية التي غطت أرض عمان في فترات كثيرة نتيجة للصراع بين الامامة وبين بعض القبائل، أو بينهما وبين التكتلات والأحلاف القبلية ذات الأهداف السياسية المعارضة للامامة أو الطامعة في تولي الحكم والسلطان. قد أدت هذه الأحوال المضطربة إلى هجرة بعض المشايخ والعائلات العمانية إلى ساحل شرقي افريقيا قبيل مجئ محمد بن نور؛ كما هاجر بعض العمانيين إلى زنجبار أو اليمن نتيجة الصراع الذي قام بين القرامطة والبويهيين للسيطرة على عمان.

وقد ازدادت الهجرات العمانية نتيجة للصراع الذي قام فيما بعد بين سلاطين النباهنة وبين الأئمة اليحامدة والموالين فرحلا بأهلهما ومن تبعهما من الجند والناس إلى ساحل شرقي افريقيا، فركبوا السفن جميعاً وأبحروا إلى هذا الساحل ونزلوا في لامو شمال ممبسة حيث وجدوا بها عدداً من المستقرين العرب وعدداً من الفارين من بطش الحجاج بعد هزيمة ابن الأشعث،وحيث الأرض خصبة والطبيعة جميلة، حتى بدت لهم المنطقة وكأنها الفردوس ويحتمل أن يكون سعيد وسليمان ومن معهما قد نزلوا على وجه التحديد في جزيرة بات في أرخبيل لامو حيث ذكر البعض من المؤرخين أنها تأسست عام 69هـ / 689م أو في موقع مدينة حدبو التي التي أسسوها شمال مدينة ممبسة. المهم أن هذه الارستقراطية العربية العمانية الوافدة كانت سببا في ظهور أول وأقدم أمارة عربية إسلامية في هذا العصر المبكر من تاريخ الإسلام في مدينة لامو وفي أرخبيلها والمناطق المحيطة. (3)

ومما سهل على سعيد وسليمان إقامة امارتهم أنهم لم يجدوا ملكاً أو حاكماً يحكم منطقة الساحل أو الجزر التي كانت تكون أرخبيل لامو. فنزلوها بسهولة وبدأوا أولاً بتشييد قلعة قوية تحميهم من أي عدوان. وكان تعامل سعيد وسليمان مع الأفارقة القادمين من الداخل بالسلع وغيرها لابد أن يؤثر فيهم، ولابد أنهم سوف يتأثرون بما يشاهدونه من مظاهر الحياة الإسلامية في إمارة سليمان وسعيد ولابد أن بعضهم اعتنق الإسلام حتى تتوثق علاقاتهم بحكام الساحل سواء كانوا سعيداً أو سليمان أوغيرهما، بهدف ترويج تجارة الداخل وتسهيل وصولها وكسباً لثقتهم في عمليات البيع والشراء.(4)

ورغم ما أصاب هذه الإمارة الجلندانية من ضعف فإن قادمين جدداً صبوا دماء جديدة في شرايين هذه الإمارة، ومع قلة هؤلاء القادمين الجدد فإن سليمان وسعيداً كانا من الشخصيات التاريخية البارزة التي أحدثت تغييراً في تاريخ هذه المنطقة، يتبين هذا بقوة من الآثار الصادقة التي وجدت في بات ولامو حيث يستطيع المرء أن يرى المكان الذي نزلوا فيه هم وأتباعهم، وأن يرى قلعتهم التي بنوها. كما تظهر عظمتهم من المخطوطات وكتب التاريخ التي دونها أهل عمان، وهي بطبيعة الحال أحدث من هذه الآثار ومستقلة عنها.(5)

وقد استطاع حفيد لهولاء المؤسسين ويسمى الحاج سعيد أن يؤلف في بداية القرن الثامن للميلاد حكومة تقوم على أساس من الشورى، ويذكر صاحب تاريخ لامو كيف أن المهاجرين الذين كانوا قد قدموا من قبل من الشام والهند وأقاموا بمدينة حدبو، وأهل مدينة ديوني الذين كان عددهم يزيد عن عشر آلاف من المسلمين الهاجرين، قد بايعوا سعيداً بالزعامة عليهم، حيث رسم لهم أن تقسم المدينة إلى أحياء صغيرة، لكل منها شيخها، ويقوم مجلس استشاري يتكون من شيوخ هذه الأحياء يشاركه في تحمل المسؤولية، وكان للمواطنين جميعاً الحق في أن يلجأ أي واحد منهم إلى هذا المجلس طالباً الانصاف إذا مسه أحد بسوء.(6)

ونتيجة للهجرات العمانية المتتالية توسعت هذه الإمارة الجلندانية أو هذه الدولة التي أنشأها العمانيون نتيجة لهجرة سليمان وسعيد في أرخبيل لامو، وتضخم عدد سكانها من العمانيين وغيرهم، وأصبحت منتجعاً لأهل عمان، الذين اصبحوا يشدون إليها الرحال زرافات ووجدانا في كل موسم في ذلك العهد، لعل الله أراد يهدي بهما – أي سليمان وسعيد- قوماً وينشر بهما في تلك النواحي الإسلام. وهذا ما حدث، فقد اعتنت هذه السلطنة أو هذه الإمارة وغيرها من السلطنات والإمارات الأخرى التي أقامها العرب أو الفرس بإنشاء المدارس الدينية لتحفيظ القرآن وتعليم أصول الدين والشريعة واللغة العربية، وكان بها عدد لا بأس به من القضاة والفقهاء والعلماء الذين كانوا من أبنائها أو من الذين كانوا يشدون إليها الرحال من سائر أنحاء العالم الإسلامي للدعوة إلى الإسلام، وكانت هذه الإمارات نفسها ترسل الدعاة لنشر الإسلام بين الأفارقة الذين اعتنقوا الدين الحنيفي في هدوء وعلى مراحل زمنية طويلة، لأن الدعوة إلى الإسلام كانت دعوة سليمة كما هو شأنها في كل زمان ومكان، وقد نجحت هذه الدعوة نجاحاً كبيراً لأن هؤلاء الأفارقة وجدوا في الإسلام ديناً يتلاءم مع كثير من عناصر حياتهم، ويعطيهم الوحدة الدينية والاجتماعية ويرفع من شأنهم، ويعطيهم الشعور بالعزة والفخر، ويجعلهم أعضاء في جماعة إسلامية كبيرة وعالم إسلامي واسع وبتوالي الهجرات توالت الانتصارات.(7)

ثانيا:هجرت الحرث وسلطنتهم في مقديشو وأثرها في نشر الإسلام:

أخذ تيار التعريب والإسلام ينتشر على ساحل شرقي افريقيا نتيجة لتوالي الهجرات العمانية الأخرى، مثل هجرة الأخوة السبعة من قبيلة الحارث العربية العمانية الأصل من منطقة الأحساء إلى شرقي افريقيا(نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة وقد وقعت هذه الهجرة بين عامي 291هـ /903م ، 301هـ/913م بسبب اضطهاد القرامطة لهم وبسبب ما سمعوه من الزنوج أو الجنود السود الذين كانوا بجيش القرامطة عما كان يوجد في الأرض الجديدة من خيرات وثمار، ولما وصل إلى مسامعهم – بطبيعة الحال- عما حققه سعيد وسليمان الجلنديان في بلاد الزنج بعد هجرتهما إليها من نجاح، مما جعلهم يختارون هذه البقعة للهجرة إليها بنية إقامة وطن أو دولة لهم هناك مقتفين أثر سعيد وسليمان.

وتحقيقاً لهذه الأهداف قام سبعة أخوة منالحرث على رأس عشيرتهم، وأتوا في ثلاثة سفن ضخمة مليئة بالمحاربين والمهاجرين الآخرين الذين تركوا الأحساء ونزلوا بعد رحلة بحرية طويلة على ساحل بنادر بالصومال، واحتلوا هذا الساحل خلال وقت قصير، ومدوا نفوذهم حتى ممبسة، ولما كانوا سنة فقد واجهتهم مشكلة السكان الموجودين الذين كانوا يمثلون هجرةسابقة هي هجرة الزيدية، الذين قاوموا المهاجرين الجدد حسبما وسعتهم المقاومة، ولكن الحرث تغلبوا عليهم وهدموا قلاعهم، واستولوا على مستوطناتهم وأجبروهم على التحرك إلى داخل أودية نهري جوبا والويبي شبيلي، وبنى الحرث مدناً جديدة على الساحل وأسسوا دولتهم هناك.

وقد كانت مقدشو أول مدينة عربية بناها الحرث على ساحل بنادر عام 295هـ/907م، وتلتها مدينة براوة، وبنوا أيضاً مدينة ثالثة هي مركة، وتشير بعض المصادر إلى مواضع ومدن أخرى مثل قرغاوت، والنجا وبذوتة وماندا وأعوزي وشاكه قرب دلتا نهر تانا، وقد بنى الحرث هذه المدن في سنوات متفاوتة وأسسوا فيها دولة لهم أو سلطنة استمروا في حكمها طوال معظم فترات العصور الوسطى، فكان حكام سلطنة مقدشيو عند قدوم البرتغاليين من سلالة الحرث أي سلالة الأخوة السبعة، كما أن براوة كانت في القرن السادس عشر للميلاد يحكمها اثنا عشر شيخاً يعودون بأصولهم إلى هؤلاء الأخوة السبعة أيضاً.(9)

وفي عهد هذه الأسرة الحاكمة صارت مقدشو سلطنة قوية ذات شوكة ونفوذ على عربان الساحل وعلى المدن التي تحيط بها. وكان تجارها أو سكانها أول من وصل إلى بلاد سفالة بسفنهم واستخرجوا منها الذهب، مما در عليهم كثيراً من الأموال التي استفادوا منها في تطوير مقدسو، فحلت المنازل المشيدة بالأحجار على الطراز العربي محل المباني الخشبية، ومحل المساكن المتخذة من القش المغطى بجلود الحيوانات والتي كانت من صناعة المهاجرين الأولين من الزيديين. وقد تعددت الطوابق التي تكونت منها المنازل التي بناها الحرث حتى أصبحت أربعة وخمسة طوابق في عام 837هـ /1433م كما نمت ثورة مقدشو في عهدهم نمواً محسوساً حتى أصبحت هذه المدينة بمثابة عاصمة لجميع البلاد المجاورة، ومركزاً للأقاليم العربية الصغرى التي كانت تمتد وتنتشر على طول الشاطئ فكانت جموع الناس ترد على مقدشو من المدن التي أنشئت على الساحل فيجتمعون في مسجدها الجامع حيث يؤدون صلاة الجمعة، مما يدل على أهمية مركز مقدشو الديني والثقافي عند سكان السواحل جميعاً، حتى اعتبرت العاصمة الثقافية لساحل الزنج كله، وسيدة على كل عرب هذا الساحل نتيجة لما وصلت إليه من قوة ونفوذ، ولما قامت به من دور في نشر العروبة مالإسلام، فقد كانت هذه المدينة في الجنوب وزيلع الصومالية في الشمال أهم منفذين لتياري العروبة والإسلام اللذين اخترقا الصومال إلى بقية منطقة القرن الأفريقي، حيث ساد الإسلام معظم هذه المنطقة منذ أمد بعيد.(10)

ونتيجة للعلاقات التجارية التي قامت بين هذه القبيلة وغيرها من القبائل الصومالية التي اتصلت بسلطنة مقدشو الإسلامية التي أكثرت من إنشاء المساجد والجوامع التي بقي لنا منها مساجد عدة، منها مسجد عليه كتابة تبين تاريخ تأسيسه وهو سنة 637هـ / 1239م، أي قبل مرور ابن بطوطة بها بنحو قرن من الزمان ولعل هذا المسجد هو مسجد عبد العزيز الذي بني في مقدشو منذ حوالي سبعمائة عام. والملفت للنظر أنه يوجد بجوارهذا المسجد بعض المقابر التي تعلوها شواهد مكتوب على احداها" هذا قبر المرحوم حاج علي محمد شولة المخزومي وعمره 90 سنة، وكان وفاته شهر جمادى الأولى، يوم ربوع 1389هـ موافق يولية 1969م" ويلاحظ من هذه العبارة الحرص على ذكر أداء فريضة الحج والحرص على ذكر النسب العربي مما يدل على مدى تعلق الصومالييين دائماً بالعروبة والإسلام.

وقد زار ابن بطوطة هذه البلاد وأعطانا صورة إسلامية رائعة لما كانت عليه الحياة فيها، فقد أشار إلى كثرة مساجدها وإلى كرم أهلها وحسن استقبالهم للتجار والمحافظة على أموالهم، كما أشار إلى عادة المقدشيين أن يلقبوا سلطانهم بلقب الشيخ، وأن هذا الشيخ يعرف اللسان العربي رغم كونه من الصوماليين المحليين الذين أسلموا، مما يدل على إنتشار اللغة العربية بين الأهالي، وكذلك انتشار الثقافة الإسلامية، حيث كان هناك دار للطلبة الذين كان يقوم على تعليمهم علوم الدين كثير من العلماء والمشايخ الذين كانوا يحتلون أسمى مكان في سلطنة مقدشو مما يدل على نجاح الحركة الإسلامية في بلاد الصومال كل نجاح.

وعلى ذلك لم يكن الحرث غزاة كما صورهم رويش أو ميرفي بل كانوا دعاة حضارة وثقافة، إذ أنهم سيطروا على الساحل من الناحية السياسية والثقافية، وحولوا سكانه جميعاً إلى الإسلام، مما يدل على مدى قوة تأثيرهم السياسي والثقافي والديني، حتى أصبحت مقدشو في عهدهم قبلة أنظار المسلمين على الساحل كله.

وإذا كان للهجرة الجلندانية ثم للهجرة الحارثية هذه الأهمية في تاريخ شرقي افريقيا، وفي تاريخ انتشار الإسلام هناك هجرة أخرى لا تقل أهمية إن لم تزد، وهي هجرة النباهنة العمانيين.(11)

ثالثا:هجرة النباهنة وسلطنتهم في بات وأثرها في نشر الإسلام:
حدثت هذه الهجرة من عمان إلى ساحل شرقي افريقيا في أوائل القرن السابع للهجرة / الثالث عشر للميلاد حيث كونت سلطنة إسلامية جديدة تولت حكم شطر كبير من هذا الساحل وأقامت سلطنة نبهانية في بات ظلت موجودة حتى عام 1861م. والنباهنة قوم من العتيك من الأزد في عمان كانوا قد استولوا على مقاليد السلطة هناك بعد أن دبت الفوضى في البلاد وانقسم العمانيون إلى طائفتين متخاصمتين، وحكم النباهنة عمان مدة تبلغ حوالي خمسمائة عام واستمرت حتى نهاية القرن العاشر للهجرة عندما قامت دولة اليعاربة في حكم عمان منذ عام 1615م.(12)

ويبدو أن الدولة النبهانية في عمان قد مرت بأطوار من القوة والضعف بسبب الصراع الداخلي على الحكم، وقد هاجر أحد ملوك عمان هو سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني إلى بات في أرخبيل لامو منذ وقت مبكر يعود إلى عام 1600م و 601هـ ولذلك نرجح أن السلطنة النبهانية كان لها وجود فعلي وسلطان عظيم على ساحل شرقي افريقيا في فترات طويلة منذ قيامها في بداية القرن السابع للهجرة/ الثالث عشر للميلاد، حتى نهاية العصور الوسطى.(13)

حكم بنو نبهان بات منذ أوائل القرن السابع للهجرة، وقامت لهم هناك سلطنة، لم تكن أولى السلطنات الإسلامية، فقد سبقتها سلطنات أو إمارات أخرى المهم أن النبهانيين حكموا جزءاً كبيراً من الساحل متخذين من بات مقراً لسلطنتهم وحكم بعد أن استطاع أول سلطان لهم هناك، وهو سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني، أن يتزوج أميرة سواحيلية، ليست فارسية هي ابنة اسحاق حاكم بات في ذلك الحين، وعن طريق زوجته ورث الملك، كما يقال أن والدها تنازل له عن الحكم فأصبح الحاكم الشرعي لبات، ومن ثم نقل بلاطه من عمان إلى شرق أفريقيا. في بات ألقى مراسيه حيث رحب به الأهالي الذين كان معظمهم من اقليم عمان ولذلك قابلوه بكل حفاوة وتكريم.

رابعا:ظهور اللغة السواحيلية:

ونسطيع القول أن سلاطين بات النبهانيين استطاعوا أن يفرضوا سيطرتهم على معظم مدن الجزء الجنوبي من ساحل شرقي افريقيا، وكان لهم في كل مدينة خضعت لهم عامل أو قاضي يعرف باسم ما جومب بمعنى الخاضع للقصر الملكي في بات. وكذلك دار الشورى في بات مقرا للحكومة المركزية التي كانت تحكم كل البلاد التي خضعت لهؤلاء السلاطين الذين اتخذوا اللقب السواحيلي بوانا فومادي أو فوم لوط بمعنى ملك أو سلطان من حيث نمت في عهدهم سلطنة بات نمواً سياسياً واقتصادياً كبيراً.

ولا شك أن انتشار اللغة السواحيلية بين السكان الأصلين، بجانب اللغة العربية كان له أثر كبير في نشر الإسلام والثقافة الإسلامية بين القبائل الافريقية التي تقيم على الساحل، وتلك التي تقيم حول طرق القوافل الرئيسية الممتدة من الساحل إلى بحيرة نياسا وإلى المدن أو القرى الداخلية الواقعة على بحيرة تنجانيقا أو التي تقع بعيداً في الداخل، وذلك لأسباب عديدة:
أولاً : أن هذه اللغة ولدت ولادة إسلامية، بمعنى انها نتجت عن إلتحام قبائل البانتو بعد أن أسلمت بالعرب من سكان لساحل بسبب قدوم هذه القبائل إلى الساحل واختلاطهم بالعرب وتزواجهم معهم.

ثانياً : إن هذه اللغة أصبحت عامل ربط بين الساحل والداخل وانتشرت انتشاراً واسعاً نتيجة لازدياد الحركة التجارية بإزدياد قدوم التجار العرب عمانيين وغير عمانيين، وبظهور السلطنات العمانية التي رعت التجارة ودفعتها إلى الداخل عبر طريق التجارة فحملت القوافل التجارية هذه اللغة الوليدة إلى الداخل، كما أنها اصبحت لغة التخاطب في المعاملات التجارية بين مجموعات السكان المتباينة الأصول والأجناس في شرقي افريقيا. ولما كانت هذه اللغة لغة التجار والتجارة وكان التجار من المسلمين، فقد ساعدت كثيراً في انتشار الإسلام بين السكان المحليين حيث كان هؤلاء التجار قد انشأوا مراكز تجارية لهم بالداخل واختلطوا بالأفارقة وصاهروهم ونشروا الإسلام بينهم.14

ثالثاً: إن هذه اللغة اصبحت عاملاً قوياً في توحيد السكان في هذه المنطقة من القارة على اختلاف ألوانهم وتباين لغاتهم وتعدد قبائلهم وشعوبهم وأجناسهم. مما أدى إلى ظهور ثقافة مشتركة هي الثقافة السواحيلية. وهي ثقافة غلبت عليها السمة العربية وهذا ساعد على إنتشار الإسلام بين السكان المحليين وإلى تطعيم ثقافتهم بعناصر عربية كثيرة.

رابعاً: إن هذه اللغة كتبت بحروف عربية واستمرت كذلك حتى جاء الإستعمار الأوروبي الحديث وحولها إلى الكتابة بالحروف اللاتينية بهدف إيجاد فاصل بين الثقافية العربية وبين الثقافية السواحيلية الحديثة.

وقد دعم النباهنة هذه الثقافة السواحيلية ذات الطابع الإسلامي والتي ازدهرت وتألقت، وذلك بالعمل على نشر الإسلام عن طريق نشر التعليم الديني في المساجد والمدارس والكتاتيب التي وفد إليها كثير من الموطنيين الأفارقة ليحفظوا القرآن الكريم ويتعلموا الكتابة بالحروف العربية، بل ويتعلموا اللغة العربية ذاتها، حتى يتمكنوا من التعمق في فهم عقيدة الإسلام وتراثه الديني واللغوي وقد أخذ كثير منهم من ذلك بحظ كثير نتيجة للتزواج. ونتيجة للمشاركة في العلاقات والتقاليد والحياة الإجتماعية من مسكن ومأكل ومبلس وعادات وأعياد ومناسبات وغير ذلك من مظاهر الحياة، مما دفع الحركة الإسلامية إلى الأمام بخطوات واسعة.

وهكذا ترى أن سلطنة بات النبهانية قد تمكنت منذ القرن الرابع عشر للميلاد أن تفرض نفوذها على معظم أنحاء الساحل الشرقي لأفريقيا، وأن تصبح القوة الكبرى المهيمنة على ذلك الساحل منذ ذلك الوقت، وأن تنشئ حضارة إسلامية تغلغلت جنوباً وحملها المهاجرون والتجار العمانيون معهم لا إلى الساحل فقط، بل الجزر المواجهة له مثل جزر كلوة وزنجبار وبمبا ومافيا، مكونة بذلك دولة كبيرة تعدد سلاطينها حتى بلغ عددهم اثنين وثلاثين سلطاناً.

ومعنى ذلك أيضاً أن المدن التجارية الساحلية التي أنشاها العمانيون في النصف الشمالي من الساحل الشرقي لافريقيا مثل مقدشو وبراوة ولامو وبات نشأت فيها ثلاث سلطنات إسلامية هي سلطنة مقدشو الحارثية، وسلطنة لامو الجلندانية، وسلطنة بات النبهانية، وهي سلطنات كان لكل منها نظامها الوراثي في الحكم، ولها عاداتها وتقاليدها في الحياة الإجتماعية والاقتصادية، فعظمت ثرواتها وتنوعت مظاهر النشاط التجاري بها، مما شجع المهاجرين من عمان وغير عمان على المجئ والاستقرار وكان لذلك أثره الكبير في النهاية في نشر الإسلامية بين الشعوب الافريقية النازلة على الساحل، بل وفي الداخل أيضاً.15



 
 توقيع : قلم رصاص

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


رد مع اقتباس
قديم 09-18-2011, 08:11 PM   #2
مشرفه منتدى فن الطبخ


الصورة الرمزية المستقبل
المستقبل غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 7
 تاريخ التسجيل :  Aug 2010
 أخر زيارة : 11-05-2011 (11:39 PM)
 المشاركات : 398 [ + ]
 التقييم :  25
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي



تشكرات أخى على الموضوع الجميل والشيق


 

رد مع اقتباس
قديم 12-18-2011, 12:01 PM   #3
مشرف سابق


الصورة الرمزية أمير البحار
أمير البحار غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 5819
 تاريخ التسجيل :  Dec 2011
 أخر زيارة : 12-02-2013 (11:24 AM)
 المشاركات : 1,343 [ + ]
 التقييم :  20
لوني المفضل : Cadetblue

اوسمتي

افتراضي



مشكور قلم رصاص على الموضوع الجميل


نعرف ان العمانيون تواجدوا في شرق افريقيا ونقلوا الحظارة العمانية فيها لا يعرف بالضبط متى وصل العمانيين افريقيا ولكن المصادر القديمة تقول منذ ايام الدولة الاموية عندما هاجر سعيد وسليمان من عمان الى برالزنج وهي زنجبار وبعدها استطاع اليعاربة ان يحرروا شرق افريقيا من البرتغاليين ووضعوا فيها الولاة وفي عهد دولة البوسعيديين نقل السيد سعيد بن سلطان العاصمة من مسقط الى زنجبار و في عهدة بدأت زنجبار تتطور في كافت المجالات حيث هو الذي ادخل زراعةالقرنفل في زنجبار وفي عهد البوسعيديين انشأت اول مطبعة في افريقيا في زنجبار حيث كانت تعتبر من المناطق المتطورة والمتقدمة والتي قطعت شوط كبير في الازدهار والنمو التجاري و بلغت شهرتها كل اقطار العالم فيه كانت البلدة الاكثر ثراء في افريقيا وكان التجار يقصدها ولكن بسبب الانقسامات والخلافات بين الاسرة الحاكمة صابها الضعف حتى ان قامت ضدهم الثورة والانقلاب سنه 1964 م وبهذا انتهت حكم العمانيين لشرق افريقيا ولكن العلاقة لم تنتهي بالمازالت قائمة والطابع العماني مازال سائد في هذي المناطق ...


 
 توقيع : أمير البحار

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية
أفريقيا, العمانيون, شرق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:00 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc. Trans by
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010